أحمد بن محمود السيواسي
168
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الكفر ، أي لن يقبل ( مِنْ أَحَدِهِمْ ) فدية ( مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً ) أي قدر « 1 » ما يملأها من شرقها إلى غربها ، وقيل : وزن الأرض ذهبا « 2 » ، نصبه على التمييز ( وَلَوِ افْتَدى بِهِ ) أي بملء الأرض ذهبا ، تعلقه بما قبله بالحمل على المعنى ، كأنه قيل : لن تقبل « 3 » من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ، ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله بتقدير المثل ، وهو كثير في كلامهم نحو ضربته ضرب زيد ، أي مثل ضربه ، قيل : « إذا رأى الكافر النار يوم القيامة تمنى لو كان له ملء الأرض ذهبا وقدرة على أن يفتدي به من العذاب لافتدى به ، ولو افتدى به ما يقبل منه » « 4 » ( أُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) أي مؤلم ( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) [ 91 ] أي مانعين « 5 » من عذابه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 92 ] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) قوله ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ) أي لن تبلغوا حقيقة البر ، يعني ثوابه وهو الجنة ، وكل أعمال الخير بر ( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) أي حتى تتصدقوا « 6 » من أموالكم التي تحبونها ، و « من » فيه للتبعيض ، نزل حين جاء أبو طلحة ، فقال : يا رسول اللّه ! إن أحب أموالي بيرحا ، اسم ضيعة له ، فضعها في سبيل اللّه ، فقال عليه : إني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة : افعلها « 7 » يا رسول اللّه حيث أراك اللّه ، فقسمها في أقاربه « 8 » ، قيل : « هذا منسوخ بآية الزكاة » « 9 » ، وقيل : « المراد به إخراج الزكاة عن طيبة النفس » « 10 » ( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ ) أي أي شيء كان من طيب تحبونه أو من خبيث تكرهونه ( فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) [ 92 ] لا يخفى عليه فيجازيكم به ، قيل : معناه لا وصول إلى المطلوب إلا باخراج المحبوب « 11 » ، ولذلك كانت الصحابة رضي اللّه عنهم إذا أحبوا مالا من أموالهم أنفقوه في سبيل اللّه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 93 إلى 94 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) قوله ( كُلُّ الطَّعامِ ) أي كل أنواع الطعام ( كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) نزل حين قالت اليهود : حرمنا على أنفسنا لحوم الإبل وألبانها ، لأن يعقوب حرمها على نفسه و « 12 » نزل تحريمها في التورية « 13 » ، فقال تعالى كل الطعام هو حلال لأمتك كما كان حلالا « 14 » لبني إسرائيل سوى الميتة والدم ولحم الخنزير ، قوله ( إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ ) أي يعقوب عليه السّلام ( عَلى نَفْسِهِ ) نصب على الاستثناء من أنواع الطعام ، فإنه لم يكن حلالا لهم وصار حلالا لأمتك ، والمراد منه لحوم الإبل وألبانها وإنما حرمهما على نفسه لما أصابه عرق النسا ، وقال الأطباء له : اجتنب لحوم الإبل وألبانها فحرمها « 15 » على نفسه ، وذلك أيضا باذن من اللّه فكأنه تحريم اللّه ابتداء ، وقيل : نذر أن يحرم أحب الطعام إليه إن شفي منه ، فشفي فلم يأكله أولاده اتباعا له أو قال إن شفاني اللّه لا يأكله ولد لي فحرم عليهم « 16 » ( مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) أي الذي حرم عليهم بعد إبراهيم عليه السّلام هو المحرم قبل نزول
--> ( 1 ) قدر ، م : - ب س . ( 2 ) قاله الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 284 . ( 3 ) تقبل ، س : يقبل ، ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 186 . ( 4 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 284 . ( 5 ) أي مانعين ، س م : أي مانعون ، ب . ( 6 ) تتصدقوا ، ب س : تصدقوا ، م . ( 7 ) افعلها ، س : افعل ، ب م . ( 8 ) عن أنس ابن مالك ، انظر البغوي ، 1 / 506 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 186 - 187 . ( 9 ) عن مجاهد والكلبي ، انظر البغوي ، 1 / 506 . ( 10 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 1 / 506 . ( 11 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 12 ) و ، ب س : قيل ، م . ( 13 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 284 - 285 ؛ والواحدي ، 97 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 507 . ( 14 ) حلالا ، س م : - ب . ( 15 ) فحرمها ، ب م : فحرمهما ، س . ( 16 ) لعله اختصره من البغوي ، 1 / 507 ، 508 ؛ والكشاف ، 1 / 187 .